الإمام علي (ع)

أحمد الرحماني الهمداني


[1]

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

من حبه عنوان الصحيفة

 

لأقل العباد تراب أقدام المتمسكين بحبل الولاء العلوي

أحمد الرحماني الهمداني


[2]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن ابي طالب


[3]

بسم الله الرحمن الرحيم


[5]

 

الاهداء

وما اعلم أحد أجدر وأولى لإهداء هذه الوجيزة من ائمتنى وساداتي وموالى.

 إلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يا نبي الرحمة، ويا صاحب الرسالة، وماهي الا غيض من فيض ربي..

 إليك يا امير المؤمنين، يا من حبه عنوان الصحيفة ويا صاحب الولاية، وما هي الا شعلة اشتعلت من ضميري..

 

 اليك يا فاطمة الزهراء، يا بهجة الرسول، يا بقية النبوة وماهى الا دمعة جرت من عيني..

 اليكم يا ائمة الهدى ومصابيح الدجى ويا ولاة الدين والشريعة، وما هي الا رشحة من بحر لجي..

اليك يا صاحب الزمان، يا غيرة الله ايها المنتقم من وقعة الطف ويوم الانثين والرزية، وما هي الا غيرة انبعثت من صميم قلبي..

 ثم اليك المشتكى يا رب العباد والخليفة، وما هي الا فيضة النفس وبثة صدري وفؤادي..

 

احمد الرحماني الهمداني


[27]

 

التقدمة

الحديث عن الإمام علي عليه السلام حديث عن حياة الانسان وبواعث سعاداته ومخزاته، فما يعيش الانسان على وجه الارض فهو بحاجة من البحث والتحقيق عن حياة هذا الامام عليه السلام، إذ هو نموذج الانسانية الراقية والمثل الاعلى لتصعيده وشموخه، فهو حقيقة راهنة تخلد خلود الحياة.

 ثم إن عبقرية الإمام علي عليه السلام أوسع من أن تحيط به نطاق البحث، ويجول في هذا المضمار واحد من الناس، قيل: إن محمد بن شهر آشوب المازندرانى رحمه الله كان في مكتبته حين تأليف كتاب " المناقب " زهاء ألف تصنيف في مناقب الإمام علي عليه السلام كلها بعنوان المناقب، وهذه قصيرة من طويلة.

 فبقدر الميسور يمكن تحليل مناقبه عليه السلام إلى ثلاثة أقسام:

1) قسم راجع إلى النصوص التي وردت بنصبه للخلافة والامامة وفي طي هذا القسم فضائل له جمة لا تحصى، كحديث الاخوة والنصرة والولاية والوصاية والمنزلة والثقلين والسفينة و...

2) وقسم راجع إلى فضائله النفسية وكمالااته الروحية وهبية واكتسابية، كالحديث عن نورانيته وكيفية خلق نوره واتحاد نوره بنور النبي صلى الله عليه وآله وسلم والبحث عن عصمته وطهارته، وسبقه بالاسلام والهجرة واختصاصه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره في الملاء الاعلى وحب الملائكة له وافتخارهم بخدمته، ووجوب حبه وحرمة بغضه، ويقينه وتنمره في ذات الله، وعبادته وخوفه وسخاؤه وإيثار وحسن خلقه وحلمه وعفوه وتواضعه ومهابته وشجاعته وجهادته ونصيحته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وولايته التكوينية المسيطرة على


[28]

الاشياء، وعمله بالامور الغيبية وجميع المكارم التي يحتوي هو عليها، وجامعيته للاضداد وإلى ذلك من جميع الكمالات.

 ولعمري إن هذا البحث ضروري جدا إذ هو الحجر الاساسي للبحث عن إمامته، إذ به يعرف مكانته واستعداده لهذا المقام، وكل من يعدي الخلافة فما كان له من خلاق ما خلا عن هذا المزايا الروحية النفيسة، فذكر فضائله على هذه الوتيرة بحث معقول متجة غائى يورث أهليته للامامة وبون غيره عن هذه المرتبة الالهية، ومن ثم حث أئمتنا عليهم السلام على ذكر فضائلهم ومناقبهم معللا بأن فيه إحياء أمرهم، وهي غاية المأمول، فليس وراء عبادان قرية.

3) وقسم راجع إلى سيرته عليه السلام في نفسه وفي الامور الاجتماعية والسياسة والاقتصادية والتربوية وغير ذلك، وما أحوج الامة الاسلامية بل كل الامم اليوم إلى درس هذه السيرة للشخصية العظيمة التى خلدتها تفانيها في الحق، إن الامة في عصرنا هذا قد بعدت كثيرا عن المثل الاسلامية العليا، ولذلك وصلت إلى ما يرى من تفريق الكلمة وتشتيت الشمل واختلاف الافئدة ودراسة حياة هذا الامام العظيم وسيرته تكفي الامة لسلوك طريقة القويم وإرجاع مكانتها السامية البائدة: ولا شك أن دراسة حياة الإمام علي عليه لاسلام هي دراسة حياة النبي عليه السلام إذ هو صورة تطابق الاصل، يمثله في خلقه وهديه وجميع مكارم أخلاقه فالبحث عنه عليه السلام ليس من الامور الشاغلة عن الوظائف العاجلة الفائتة، بل بالنظر إلى غايته هو من أهم المباحث الفردية والاجتماعية والدنيوية والاخروية، والغرض منه توجيه الامة نحو الحق الصريح وتوحيد الصفوف الاسلامية ولن شعثهم وتغليف سيوفهم الشاهرة بينهم إذ - كما قال الشهرستاني -: " ما سل في الاسلام سيف على قاعدة دينية مثل ما سل على الامامة في كل زمان ".

 هذا الكتاب وهذا الكتاب مشتمل على النوعين الاخيرين من فضائله عليه السلام، فهو يحتوي على قسم كبير من الايات والاخبار موشحة بالاشعار في شئون هذا الامام المعنوية التي بها جاز الاولوية بالله تعالى ورسوله وسائر الناس، وهو مجموعة حافلة تحتوي دراسة علمية لنظرية الامامية حول مناقب الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام وفضائله وشخصيته المثلى و


[29]

مقامه الاسنى وما يرتبط بذلك من الافكار والاراء تصديقا ونقدا وإثباتا ونفيا على ضوء المنهج العلمي (العقلي والنقلي، التارخي والادبي)، بذل مؤلفة المحقق - أيده الله تعالى - جهده الجهيد في استقصاء الكلام، فسعى أن يأتي بكل ما يسعه مع التجنب عن التعصبات القومية والنزعات الطائفية العنصرية مهما أمكنه، بل أراد المشي على ضوء الحق واتباع الاثر المتفق عليه ولم يقل مالا دليل عليه من العقل والنقل ولم يرم الكلام على عواهنه، وجاء بكتاب مستدل يفيد القارئ المستفيد ومن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد.

 أضف إلى ذلك كله هميانه بإمامه المحبوب وتيمانه بسلوك هذا القصد.

 طبعاته طبع لاول مرة بمكتبة الصدوق بطهران وقد قوبل باستقبال عام من العلماء والفضلاء بحيث قد نفدت نسخه في أيام قلائل.

 ثم طبع ثانية ببيروت بطريق الاوفست وبعد هذه الطبعة وانتشاره في أرجاء العالم الاسلامي استحلاه موالى أمير المؤمنين عليه لاسلام فترجمه بعض الاعلام إلى " اردو ".

 ثم لما نفدت نسخ الكتاب وكثر مبتغيه قام هذه المؤسسة بطبعه ثالثة بحروف جديدة واصلاحات وإضافات ومستدركات وفهرس تام في ثوب قشيب وهيئة تسر الناظرين، خدمة للحنيفية البيضاء وقرة لعين الامة المتفانية في حب آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

 وفي لاختام نبشر المولين والناشئين الكرام أن هذا الكتاب القيم قد نقل إلى اللغة الفارسية وسيصدر قريبا إن شاء الله تعالى.

 مؤسسة المنير للطباعة والنشر


[31]

الامام علي بن ابي طالب عليه السلام

من حبه عنوان الصحيفة


[33]

درر منثورة وثمر مقتطفة الحديث عن شخصية الإمام علي عليه السلام كالحديث عن نور الشمس فبأي لفظ يعبر عنه ؟ فإن كلمة علي وحدها كفاك ترسيم كل الفضائل الأنسانية أمام عينيك.

 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو أن الرياض أقلام، والبحر مداد، والجن حساب، والأنس كتاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام.

(البحار، ج 38: ص 197) :

علي علا فوق السماوات قدره * ومن فضله نال المعالي الأمانيا

فأسس بنيان الولاية متقنا * وحاز ذووا التحقيق منه المعانيا

 

(فرائد السمطين، ج 1: ص 14) :

وقالوا: علي علا قلت: لا * فإن العلا بعلي علا

 

(الصاحب بن عباد) :

وفوز علي بالعلى فوزها به * وكل إلى كل مضاف ومنسوب

 

(ابن أبي الحديد) :

تعداد مجد المرء منقصة * إذا فاقت مزاياه من التعداد

 

(مهدي الجوهري) :

لك في مرتضى العلى والمعالي * درجات لا يرتقى أدناها


[34]

خصك الله في مآثر شتى * هي مثل الأعداد لا يتناها

ليت عينا بغير روضك ترعى * قذيت واستمر فيها قذاها

لك نفس من جوهر اللطف صيغت * جعل الله كل نفس فداها

 

(الشيخ كاظم الازري):

ولايته هي الأيمان حقا * فذرني من أباطيل الكلام

 

(محمد الحميرى) عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام: أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذلته ومسكنته أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا من يد ناصب عدو لله ولرسوله، فيقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان الله، فيحملونه على أجنحتهم، يقولون له: مرحبا بك، طوبى لك، يا دافع الكلاب عن الأبرار، يا أيها المتعصب للأئمة الأطهار.

 (الاحتجاج للطبرسي، ج 2: ص 235) قال حجر بن عدي - رضي الله عنه - لقاتله: إن كنت أمرت بقتل ولدي فقدمه، فقدمه فضرب عنقه.

 فقيل: تعجلت الثكل ! فقال: خفت أن يرى هول السيف على عنقي فيرجع عن ولاية علي عليه السلام فلا نجتمع في دار المقامة التي وعدها الله الصابرين.

 (المجالس السنية، ج 3: ص 86) قال معاوية: يا أبا الطفيل ! ما أبقى لك الدهر من حب علي ؟ قال: حب ام موسى له، وأشكو إلى الله التقصير.

 (المصدر السابق، ص 93) قال معاوية لعدي بن حاتم: فكيف صبرك عنه (علي عليه السلام) قال: كصبر من ذبح ولدها في حجرها، لا ترقأ دمعتها، ولا تسكن عبرتها.

 (سفينة البحار، 2 - 170)


[35]

إن أمير المؤمنين عليه السلام رأى رجلا من شيعته بعد عهد طويل، وقد أثر السن فيه وكان يتجلد في مشيه، فقال عليه السلام: كبر سنك يا رجل ! قال: في طاعتك يا امير المؤمنين، قال عليه السلام: تتجلد ! قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، قال عليه السلام: أجد فيك بقية ! قال: هي لك يا أمير المؤمنين.

 (البحار، ج 42: ص 186) قال عمرو بن الحمق لأمير المؤمنين عليه السلام: والله لو كلفتني نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي أبدا حتى يأتي علي يومي وفي يدي سيفي أهز به عدوك واقوي به وليك ما ظننت أني أديت من حقك كل الحق الذي يجب لك علي.

 (الأختصاص، ص 11) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يعذب الله هذا الخلق إلا بذنوب العلماء الذين يكتمون الحق من فضل علي وعترته عليهم السلام.

 ألا إنه لم يمش فوق الأرض بعد النبيين والمرسلين أفضل من شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام، الذين يظهرون أمره وينشرون فضله، اولئك تغشاهم الرحمة، وتستغفر لهم الملائكة. الويل، كل الويل لمن يكتم فضله.

 (الدمعة الساكبة، ص 82) قال الصادق عليه السلام: لا خير في الدنيا إلا لرجلين: رجل يزداد في كل يوم إحسانا، ورجل يتدارك ذنبه بالتوبة.

 وأنى له بالتوبة ؟ والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا اهل البيت.

 (الوسائل، ج 11: ص 360) قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن الله تعالى جعل لأخي علي فضائل لا تحصى كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرا بها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل


[36]

الملائكة تستغفر له ما بقي لذلك المكتوب رسم، ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له ذنوبه التي اكتسبها بالأستماع، ومن نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله له ذنوبه التي اكتسبها بالنظر.

 ثم قال صلى الله عليه واله وسلم: النظر إلى علي عبادة، وذكره عبادة، ولا يقبل الله إيمان عبد إلا بولايته والبرائة من أعدائه.

 (المناقب للخوارزمي الحنفي، ص 2، ط ايران وفرائد السمطين للعلامة الجويني الشافعي ج 1 ص 19 وكفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي، الباب الثاني والستون، ج 1: ص 18، ط بيروت وينابيع المودة للحافظ القندوزي الحنفي، ص 121، ط اسلامبول) قال العلامة المظفر رحمه الله في صحة الحديث: فإن من كان عبارة عن الأيمان كله، وله ضربة واحدة تعدل عبادة الثقلين لا يكون ذلك مبالغة في حقه، وهل يكون ذلك مبالغة فيمن هو نفس النبي وأخوه وعديل القرآن ؟ ! (دلائل الصدق، ط القاهرة، ج 2: ص 501)


[37]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره، ووسيلة إلى قربه، والصلاة والسلام على نبيه نور الأنوار، ومحرم الأسرار، سيدنا الأمجد، أبي القاسم محمد، صلى الله عليه وعلى آله الشموس الطالعة، والبدور المنيرة، الذين اشتق أنوارهم من نور الله عزوجل، والذين جعل الله علم الأنبياء في علمهم، وعز الأولياء في عزهم، وسر الأصفياء في سرهم كالقطرة في البحر.

 والذين هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، وفيهم كرائم القرآن، وهم ألسنة الصدق، وأزمة الحق.

 ولا سيما على وصيه المؤتمن الذي جعل الله محبته وولايته عنوان صحيفة كل مؤمن، مؤيد الأنبياء والوصيين، ومعلم الملائكة والروحانيين، اصل شجرة طوبى، وحقيقة سدرة المنتهى، المتحد نوره مع المصطفى صلى الله عليه واله وسلم، أبي الحسن المجتبى، أبي الحسين قتيل العبرى، زوج فاطمة الزهراء - صلوات الله عليهم أجمعين.

 واللعن على أعدائهم من أول الدهر إلى المنتهى.

 اللهم لك الحمد على ما ألهمتني من شكرك، وجعلتني من محبي ولاة أمرك.

 اللهم إنا آمنا بك وبأنبيائك، وبمحمد صلى الله عليه واله وسلم وبما دعانا إليه، واتبعنا النور الذي انزل معه.

 يا رب إني أعتقد أن وعدك حق، وقولك صدق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها.

 إلهي ومولاي وسيدي ! وصل إلينا من ولاة أمرك، وحماة دينك، وحججك على خلقك: أن من وجد برد حبنا أهل البيت في قلبه فليكثر الدعاء لامه، يا ربي ومولاي


[38]

بأسمائك الحسنى وجدت برد حبهم في قلبي، اللهم بجودك ومنك ورحمتك اغفر لوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرا.

 مولاي، لك الحمد على ما أعطيتني اما شربت حب الوصي، وغذتني من لبنها، ووالدا هو محب وموال للائمة الطاهرين - صلوات الله عليهم أجمعين.

لا عذب الله امي إنها شربت * حب الوصي وغذتنيه باللبن

وكان لي والد يهوى أبا حسن * وصرت من ذي وذا أهوى أبا حسن

اللهم ومولاي وسيدي ! اغفر لاستاذي الكبير العارف الخبير علامة دهره، وقطب رحى التدريس والولاية لاهل البيت، آية الله المولى علي الهمداني المعصومي، آمين يا رب العالمين.

 اللهم اجعل هذه الوجيزة خالصا لوجهك، وذخيرة ليوم التناد، يا رب العباد، أنت الكريم الجواد، وخير من سئل وجاد، يا أرحم الراحمين.

 فبعد يقول العبد العاصي أحمد الرحماني الهمداني تراب أقدام المتمسكين بولاية أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين من ولده - صلوات الله عليهم أجمعين: إن الله تبارك وتعالى فرض الفرائض لا لحاجة منه إليها، لأنه - عز شأنه وجل جلاله - لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه، بل بمنه ولطفه ورحمته فرض علينا الصلاة والحج والزكاة والصوم والجهاد والولاية، وجعل لكل واحد منها شأنا وموضعا.

 فانه عز شأنه فرض الصلاة وجعلها من دعائم الاسلام، وعمود إيمانه، ووجه شريعته.

 فعن النبي صلى الله عليه واله وسلم (إن عمود الدين الصلاة، وهى أول ما ينظر فيه، فإن صحت ينظر في عمله، وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله (1).

 وقال الصادق عليه السلام: (أول ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن قبلت قبل سائر عمله، وإن ردت رد عليه سائر عمله (2).

 


(1) - الوسائل، ج 3: ص 23.

 (2) - المصدر، ج 3: ص 22.


[39]

وعن يونس بن يعقوب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (حجة أفضل من الدنيا، صلاة فريضة أفضل من ألف حجة (1).

 وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لكل شيء وجه، ووجه دينكم الصلاة (2).

 وفرض الزكاة تزكية للنفس، ونماء للرزق، واختبارا للاغنياء، ومعونة للفقراء.

 فعن أبي عبد الله عليه السلام: (لو أن الناس أدوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيرا محتاجا، ولا ستغنى بما فرض الله له، وإن الناس ما افتقروا وما احتاجوا ولا عروا إلا بذنوب الاغنياء (3).

 وفرض الحج تشييدا للدين، ووفادة إلى الله، وجهادا للضعفاء، وقياما للناس، وتعارفا بينهم، فعن هشام بن الحكم، قال (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن علة الحج - إلى أن قال عليه السلام - إن الله خلق الخلق وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة والدين ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا (4).

 وفرض الصوم زكاة للجسم، ومسا للعطش والجوع، ووقاية من الشهوات، وتمرينا للارادة، فقال على بن موسى الرضا عليه السلام: (فإنما امروا بالصوم لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش فيستدلوا على فقر الآخرة (5).

 وعن أبي عبد الله عليه السلام: (لكل شيء زكاة، وزكاة الأجسام الصيام (6).

 وفرض الجهاد سياحة للامة، وبابا للجنة، وعزا للاباء، ومجدا للأبناء، فعن عثمان بن مظعون: (قلت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن نفسي تحدثني بالسياحة وأن ألحق بالجبال، فقال: يا عثمان، لا تفعل، فإن سياحة امتي الغزو والجهاد (7).

 


(1) - الوسائل، ج 3: ص 22.

 (2) - الوسائل، ج 3: ص 16.

 (3) - المصدر، ج 6: ص 4.

 (4) - الوسائل، ج 8: ص 9.

 (5) - المصدر، ج 7: ص 4.

 (6) - المصدر، ج 7: ص 3.

 (7) - المصدر، ج 11: ص 10.

 


[40]

وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (اغزوا تورثوا أبناءكم المجد (1).

 وعن النبي عليه السلام: (الخير كله في السيف وتحت السيف (2).

 وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (خيول الغزاة خيولهم في الجنة (3).

 وعن علي عليه السلام: (إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه (4).

 وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغز ومات على شعبة من النفاق (5).

 وفرض الولاية وجعلها مفتاحا إلى سبيله، وهاديا إلى جميع الأحكام والفرائض.

 يا اخواني وأصدقائي وأعزائي، إني اشهد الله وانبيائه وملائكته وأوليائه أنى أعتقد أم ان كل من اعترف بولاية على بن أبي طالب عليه السلام وأولاده المعصومين - صلوات الله عليهم اجمعين - اعترف بولاية الله عزوجل وتوحيده، وولاية محمد صلى الله عليه واله وسلم ورسالته، ومن خلع ثوب الولاية لعلى واولاده الكرام خلع ثوب ولاية الله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم، لأن الله عزوجل جعل ولاية على عليه السلام بحيث إن لم تبلغ ما بلغ رسوله صلى الله عليه واله وسلم رسالته، وإذا ما بلغت الرسالة فما بلغ الأسلام أصلا.

 أيها القارئ العزيز، انظر بعين الانصاف هذه الآية وأقوال المفسرين من العامة في شأنها قال الله عز وجل: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم الكافرين (6)).

 قال شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي (المتوفى سنة 1270) في تفسيره روح المعاني (ج 6: ص 189، ط بيروت): قيل: إن المراد (من الآية) إن تركت تبليغ ما انزل


(1) - الوسائل، ج 11: ص 9.

 (2) - المصدر السابق.

 (3) - المصدر، ج 11: ص 11.

 (4) - نهج البلاغة، ج 27.

 (5) - المنتهى للعلامة الحلي، كتاب الجهاد.

 (6) - المائدة: 67.

 


[41]

إليك حكم عليك لم تبلغ أصلاً.

 وقال أيضا في ص 193: عن ابن عباس - رضي الله عنه -: نزلت هذه الآية في على - كرم الله وجهه - حيث أمر سبحانه أن يخبر الناس بولاية على عليه السلام (يوم غدير خم)، فتخوف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يقولوا: حابى (1) ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه هذه الاية.

 فقام بولايته يوم غدير خم وأخذ بيده فقال - عليه الصلاة والسلام -: (من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه).

 وقال الشيخ محمد عبده في تفسيره المنار (ج 6: ص 463): روى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدرى: أنها نزلت يوم غدير خم في على بن أبي طالب عليه السلام.

 وقال جلال الدين السيوطي في تفسير الدر المنثور (ج 2: ص 298، ط بيروت): عن ابن مردويه، عن ابن مسعود، قال: كنا نقرأ في عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك (أن عليا مولى المؤمنين) وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس).

 وأيضا عن ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدرى، قال: نزلت هذه الآية (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك) على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم غدير خم (2).

 وقال فخر الدين الرازي الشافعي (المتوفى سنة 606) في تفسيره (ج 12: ص 49، ط مصر): ذكر المفسرون في سبب نزول الاية وجوها - وساق الكلام إلى أن قال - العاشر: نزلت الاية في فضل على بن أبى طالب عليه السلام.

 ولما نزلت هذه الاية أخذ بيده وقال: (من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه).

 فلقيه عمر فقال: هنيئا لك يا ابن أبى طالب، أصحبت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

 وهو قول ابن عباس، والبراء بن عازب، ومحمد بن على عليه السلام.

 


1 - حاباه نصره اختصه دون سواه مال إليه.

 2 - الدر المنثور ج 2: ص 298.

 


[42]

وقال الحافظ أبو القاسم الحسكاني الحنفي من أعلام القرن الخامس الهجرى في شواهد التنزيل لقواعد التفضيل (ج 1: ص 188، ط بيروت): عن أبي إسحاق الحميدى قال: نزلت هذه الاية في على بن أبى طالب عليه السلام (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك).

 وقال أيضا في ص 192: عن إبن عباس، وجابر بن عبد الله، قالا: أمر الله محمدا صلى الله عليه واله وسلم أن ينصب عليا للناس ليخبر هم بولايته.

 فتخوف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يقولوا: حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه.

 فأوحى الله إليه: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك الاية).

 فقام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بولايته يوم غدير.

 أخي العزيز ! إذا لاحظت الأقوال المذكورة من تفاسير العامة فلاحظ نظر العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان.

 قال - رحمة الله عليه - (ج 6: ص 47): فليس إستلزام عدم تبليغ هذا الحكم (أي ما انزل من ربك) لعدم تبليغ غيره من الأحكام، إلا لمكان أهميته، ووقوعه من الأحكام في موقع لو أهمل أمره كان ذلك في الحقيقة إهمالا لأمر سائر الأحكام، وصيرورتها كالجسد العادم للروح التي بها الحياة الباقية، والحس والحركة، وتكون الاية حينئذ كاشفة عن أن الله سبحانه كان قد أمر رسوله صلى الله عليه واله وسلم بحكم يتم به أمر الدين، ويستوي به على عريشة القرار.

 وكان من المترقب أن يخالفه الناس، ويقلبوا الأمر على النبي صلى الله عليه واله وسلم بحيث تنهدم ما بناه من بنيان الدين، وتتلاشى أجزاؤه.

 وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم يتفرس ذلك ويخافهم على دعوته، فيوخر تبليغه إلى حين بعد حين ليجد له ظرفا صالحا وجوا آمنا عسى أن تنجح فيه دعوته ولا يخيب مسعاه.

 فأمره بتبليغ عاجل، وبين له أهمية الحكم، ووعده أن يعصمه من الناس (أي عصمه الله من أن يعرض موضع التهمة وأن يقولوا: إنه سلطان لا نبى، وإلا لا يخاف النبي لنفسه قال الله عز وجل: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا الا الله وكفى بالله حسيبا (1))، - وساق الكلام إلى أن قال - وهذا يؤيد ما وردت به النصوص من طرق الفريقين أن الاية نزلت في أمر ولاية على، وأن الله أمر بتبليغها، وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم يخاف أن يتهموه في ابن عمه


(1) - الاحزاب: 39.