الصفحة 83

الباب الثالث:

في مثل الدنيا ومنزلتها

9594/1 ـ محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن في كتاب علي (عليه السلام): إنما مثل الدنيا كمثل الحيّة ما ألين مسّها وفي جوفها السم الناقع، يحذرها الرجل العاقل، ويهوي اليها الصبي الجاهل(1).

9595/2 ـ الشيخ المفيد: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أما بعد فانما مثل الدنيا الحية، لين مسّها شديد نهشها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وكن أنس (أسرّ) ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه منها إلى مكروه، والسلام(2).

9596/3 ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الدنيا منتهى بصر الأعمى لا يبصر بما ورائها

____________

1- الكافي 2:136، وسائل الشيعة 11:316، البحار 73:75.

2- الارشاد باب صفة الدنيا: 124، البحار 73:105.


الصفحة 84
شيئاً والبصير ينفذها بصره، ويعلم أن الدار (النار، البوار) ورائها، فالبصير منها شاخص، والأعمى اليها شاخص، والبصير منها متزود، والأعمى منها متزود(1).

9597/4 ـ المفيد: قيل لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) كيف أصبحت ياأمير المؤمنين؟ قال (عليه السلام): أصبحت آكل رزقي وانتظر أجلي، قيل له: فما تقول في الدنيا؟ قال (عليه السلام): فما أقول في دار أولها غم وآخرها الموت، من استغنى فيها افتقر ومن افتقر فيها حزن، في حلالها حساب وفي حرامها النار، قيل: فمن أغبط الناس؟ قال (عليه السلام): جسد تحت التراب قد أمن من العقاب ويرجو الثواب(2).

9598/5 ـ قيل لعلي (عليه السلام): كيف تجدك؟ قال: كيف يكون حال من يفنى ببقائه، ويسقم بصحته، ويؤتى من مأمنه(3).

9599/6 ـ الشيخ الطوسي، أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرنا الشريف أبو عبدالله محمد بن محمد بن طاهر، قال: أخبرني أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد ابن سعيد، قال: حدثنا أبو علي محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: حدثني الحسن بن موسى، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الدنيا دول، فما كان لك منها أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقوتك، ومن انقطع رجاه مما فات استراح بدنه، ومن رضي بما رزقه الله قرّت عينه(4).

9600/7 ـ الشيخ الطوسي، عن الحسين بن عبدالله، عن أبي هارون بن موسى

____________

1- نهج البلاغة خطبة: 133، إرشاد القلوب باب الزهد في الدنيا: 19.

2- الاختصاص: 188، البحار 76:16، جامع الأخبار: 238 ح608.

3- مجمع البحرين في مادة (وجد): 219.

4- أمالي الطوسي المجلس الثامن: 225 ح393، البحار 71:139.


الصفحة 85
التلعكبري، قال: حدثنا أبو العباس بن عقدة، قال: حدثنا الحسن بن علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا الحسين بن علي الخزاز ـ وهو بن بنت الياس ـ قال: حدثنا ثعلبة بن ميمون، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إنما الدنيا فناء وعناء، وغِيَر وعِبَر، فمن فنائها أن الدهر موتر قوسه مفوّق نبله، يرمي الصحيح بالسقم، والحي بالموت، ومن عنائها أن المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ومن غِيَرها انك ترى المغبوط مرحوماً والمرحوم مغبوطاً، ليس منها إلاّ نعيم زائل، أو بؤس نازل، ومن عبرها أن المرء يشرف على أمله فيختطفه من دونه أجله.

قال أبو عبدالله (عليه السلام)، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): كم من مستدرج بالاحسان اليه مغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله عبداً بمثل الإملاء له(1).

9601/8 ـ قال رجل لأمير المؤمنين (عليه السلام): صف لنا الدنيا، فقال: وما أصف لك من دار من صح أمِنَ، ومن سقم فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، وفي حلالها الحساب، وفي حرامها العقاب(2).

9602/9 ـ كتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى سلمان الفارسي (رضي الله عنه)فقال: مثل الدنيا مثل الحية، يلين مسها، ويقتل سمها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها، وكن آنس ما تكون فيها أحذر ما تكون فيها، فان صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه(3).

____________

1- أمالي الطوسي المجلس 15:443 ح992، البحار 73:99، تفسير البرهان 2:178.

2- مجموعة ورام 1:137، البحار 73:120، روضة الواعظين: 445.

3- مجموعة ورام 1:147، إحياء الأحياء 6:12، نهج البلاغة كتاب: 68، البحار 33:484، روضة الواعظين: 441.


الصفحة 86
9603/10 ـ عن علي (رضي الله عنه): أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، لا تنالون منها نعمة إلاّ بفراق اُخرى(1).

9604/11 ـ الشيخ الطوسي، بالاسناد، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن محمد الهمداني، قال: حدثنا الحسن بن القاسم قراءة، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن المعلى، قال: حدثنا أبو عبدالله محمد بن خالد، قال: حدثنا عبدالله بن بكران المرادي، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسين (عليهم السلام)، قال: بينما أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم جالس مع أصحابه يعبّئهم للحرب، إذ أتاه شيخ عليه هيئة السفر، فقال: أين أمير المؤمنين؟ فقيل: هو ذا، فسلّم عليه، ثم قال: ياأمير المؤمنين، إني أتيتك من ناحية الشام، وأنا شيخ كبير قد سمعت فيك من الفضل ما لا اُحصيه، وإني أظنك ستغتال، فعلمني مما علمك الله.

قال (عليه السلام): نعم ياشيخ من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كان في الدنيا همته كثرت حسرته عند فراقها، ومن كان غده شراً من يومه فمحروم، ومن لم ينل ما يرى من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك، ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى، ومن كان في نقص فالموت خير له.

ياشيخ، إن الدينا خضرة حلوة ولها أهل، وإن الآخرة لها أهل، طلقت أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا، لا يتنافسون في الدنيا، ولا يفرحون بغضارتها، ولا يحزنون لبؤسها.

ياشيخ، من خاف البيات قل نومه، ما أسرع الليالي والأيام في عمر العبد، فأخزن لسانك، وعُد كلامك، ولا تقل إلاّ بخير.

ياشيخ، إرض للناس ما ترضى لنفسك، وآت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك.

____________

1- ربيع الأبرار 1:64.


الصفحة 87
ثم أقبل على أصحابه، فقال: أيها الناس، أما ترون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى: فبين صريع يتلوى، وبين عائد ومعود، وآخر بنفسه يجود، وآخر لا يرجى، وآخر مسجّى، وطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه، وعلى أثر الماضي يصير الباقي.

فقال له زيد بن صوحان العبدي: ياأمير المؤمنين، أي سلطان أغلب وأقوى؟ قال: الهوى. قال: فأي ذلّ أذلّ؟ فقال: الحرص على الدنيا، فقال: فأي فقر أشد؟ قال: الكفر بعد الايمان، قال: فأي دعوة أضل؟ قال: الداعي بما لا يكون، قال: فأي عمل أفضل؟ قال: التقوى، قال: فأي عمل أنجح؟ قال: طلب ما عند الله، قال: فأي صاحب أشرّ؟ قال: المزّين لك معصية الله، قال: فأي الخلق أشقى؟ قال: من باع دينه بدنيا غيره، قال: فأي الخلق أقوى؟ قال: الحليم، قال: فأي الخلق أشح؟ قال: من أخذ من غير حلّه، فجعله في غير حقه، قال: فأي الناس أكيس؟ قال: من أبصر رشده من غيه، فمال إلى رشده، قال: فمن أحلم الناس؟ قال: الذي لا يغضب، قال: فأي الناس أثبت رأياً؟ قال: من لم يغرّه الناس من نفسه، ولم تغرّه الدنيا بتشوحها، قال: فأي الناس أحمق؟ قال: المغتر بالدنيا وهو يرى ما فيها من تقلب أحوالها، قال: فأي الناس أشد حسرة؟ قال: الذي حرم الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. قال: فأي الخلق أعمى؟ قال: الذي عمل لغير الله تعالى يطلب بعمله الثواب من عند الله عزّوجلّ، قال: فأي القنوع أفضل؟ قال: القانع بما أعطاه الله، قال: فأي المصائب أشد؟ قال: المصيبة بالدين، قال: فأي الأعمال أحب إلى الله عزّوجلّ؟ قال: انتظار الفرج، قال: فأي الناس خير عند الله؟ قال: أخوفهم له، وأعلمهم بالتقوى، وأزهدهم في الدنيا، قال: فأي الكلام أفضل عند الله؟ قال: كثرة ذكره والتضرع اليه ودعاؤه، قال: فأي القول أصدق؟ قال: شهادة أن لا إله إلاّ الله، قال: فأي الأعمال أعظم عند الله عزّوجلّ؟ قال: التسليم والورع، قال: فأي الناس أكرم؟ قال: من

الصفحة 88
صدق في المواطن.

ثم أقبل (عليه السلام) على الشيخ فقال: ياشيخ إن الله عزّوجلّ خلق خلقاً ضيق الدنيا عليهم نظراً لهم، فزهدهم فيها وفي حطامها، فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم، وصبروا على ضيق المعيشة، وصبروا على المكروه، واشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة، وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة، فلقوا الله وهو عليهم راض، وعلموا أن الموت سبيل لم مضى وبقي، فتزودوا لآخرتهم غير الذهب والفضة، ولبسوا الخشن، وصبروا على أدنى القوت، وقدموا الفضل، وأحبوا في الله، وأبغضوا في الله عزّوجلّ، اُولئك المصابيح وأهل النعيم في آلاخرة والسلام.

فقال الشيخ: فأين أذهب وأدع الجنة، وأنا أراها وأرى أهلها معك، جهزني بقوة أتقوى بها على عدوك، فأعطاه أمير المؤمنين (عليه السلام) سلاحاً وحمله، وكان في الحرب بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) يضرب قدماً قدماً وأمير المؤمنين يتعجب مما يصنع، فلما اشتدت الحرب أقدم فرسه حتى قتل، وأتبعه رجل من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) فوجده صريعاً، ووجد دابته، ووجد سيفه في ذراعه، فلما انقضت الحرب أتى أمير المؤمنين بدابته وسلاحه، وصلى عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: هذا والله السعيد حقاً، فترحموا على أخيكم(1).

____________

1- أمالي الطوسي المجلس 15:434 ح974، البحار 77:376، معاني الأخبار: 197، مستدرك الوسائل 12:152 ح13756، مجموعة ورام 2:173.


الصفحة 89

الباب الرابع:

الزهد في الدنيا

9605/1 ـ الصدوق، بإسناده قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما بال من خالفكم أشد بصيرة في ضلالتهم، وأبذل لما في أيديهم منكم، ما ذاك إلاّ أنكم ركنتم إلى الدنيا فرضيتم بالضيم وشححتم على الحطام وفرطتم فيما فيه عزّكم وسعادتكم، وقوتكم على من بغى عليكم، لا من ربكم تستحيون فيما أمركم، ولا لأنفسكم تنظرون، وأنتم في كل يوم تضامون ولا تنتبهون من رقدتكم ولا ينقضي فتوركم(1).

9606/2 ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما يصنع بالمال والولد من يخرج منها ويحاسب عليها، عراة دخلتم الدنيا وعراة تخرجون منها، وإنما هي قنطرة فاعبروا عليها وانتظروها(2).

9607/3 ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إدفع الدنيا بما يحضرك من الزاد وتبلغ به،

____________

1- الخصال حديث الأربعمائة: 634، البحار 73:104.

2- إرشاد القلوب باب الزهد في الدنيا: 19.


الصفحة 90
وكان (عليه السلام) ينشد ويقول:


إدفع الدنيا بما اندفعت واقطع الدنيا بما انقطعت
يطلب المرء الغنى عبثاً والغنى في النفس لو قنعت(1)

9608/4 ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الرغبة فيما (بالآخرة) عند الله تورث الروحة والراحة، والرغبة في الدنيا تورث الهم والحزن(2).

9609/5 ـ كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: اللهم اني أسألك سلواً عن الدنيا ومقتاً لها فإنّ خيرها زهيد، وشر عتيد، وصفوها يكدّر وجديدها يخلق، وما فات فيها لم يرجع، وما نيل منها فتنة، إلاّ من أصابته منك عصمة وشملته منك رحمة، فلا تجعلني ممن رضي بها واطمئن اليها ووثق بها، فان من اطمئن اليها خانته ومن وثق بها غرته(3).

9610/6 ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): عين الدهر تطرف بالمكاره والناس بين أجفانه، والله لقد أفضح الدنيا نعيمها ولذاتها الموت، وما ترك لعاقل فيها فرحاً ولا خلى القيام بالحق للمؤمن في الدنيا صديقاً ولا أهلا، ولا يكاد من يريد رضا الله تعالى وموالاته يسلم إلاّ بفراق الناس ولزوم الوحدة والتفرد منهم والبعد عنهم كما قال الله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}(4)(5).

9611/7 ـ محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ابن آدم ان

____________

1- إرشاد القلوب باب الزهد في الدنيا: 19، البحار 103:20، كنز الكراجكي: 289.

2- إرشاد القلوب باب الزهد في الدنيا: 19.

3- إرشاد القلوب باب ترك الدنيا: 26.

4- الذاريات: 50.

5- إرشاد القلوب باب الحزن وفضله: 112.


الصفحة 91
كنت تريد من الدنيا ما يكفيك، فان أيسر ما فيها يكفيك، وإن كنت تريد ما لا يكفيك فان كل ما فيها لا يكفيك(1).

9612/8 ـ محمد بن يعقوب، عن أحمد، عن عدة من أصحابنا، عن حنان بن سدير، رفعه، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من رضي من الدنيا بما يجزيه، كان أيسر ما فيها يكفيه، ومن لم يرض من الدنيا بما يجزيه، لم يكن فيها شيء يكفيه(2).

9613/9 ـ العياشي: عن عمرو بن جميع، رفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: مكتوب في التوراة من أصبح على الدنيا حزيناً فقد أصبح لقضاء الله ساخطاً، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فقد أصبح يشكو الله، ولمن أتى غنياً فتواضع لغنائه ذهب الله بثلثي دينه، ومن قرء القرآن من هذه الاُمة ثم دخل النار، فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزواً، ومن لم يستشر يندم، والفقر الموت الأكبر(3).

9614/10 ـ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما ابن آدم ليومه، فمن أصبح آمناً في سربه معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا(4).

9615/11 ـ (الجعفريات)، أخبرنا عبدالله، أخبرنا محمد، حدثني موسى، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: أفضل الناس من عشق العبادة وعانقها وأحبها بقلبه، وباشرها بجسده وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على يُسر أم على عسر(5).

____________

1- الكافي 2:138، البحار 73:176، وسائل الشيعة 15:241.

2- الكافي 2:140، البحار 3:178، وسائل الشيعة 15:242، تحف العقول: 143.

3- تفسير العياشي 1:120، تفسير البرهان 1:224، البحار 72:196.

4- مجموعة ورام 2:74، أمالي الطوسي المجلس 25:588 ح1219، البحار 70:318.

5- الجعفريات: 232، مستدرك الوسائل 1:120 ح148.


الصفحة 92
9616/12 ـ من وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده الحسن (عليه السلام): يابني قصر الأمل واذكر الموت وازهد في الدنيا، فانك رهين موت وغرض بلاء وطريح سقم، وأوصيك بخشية الله في سرّ أمرك وعلانيتك، وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابد به، وإذا عرض شيء من أمر الدنيا فلا تأته حتى تصيب رشدك فيه(1).

9617/13 ـ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خبر المعراج، قال: قال الله تبارك وتعالى: ياأحمد، لو صلى العبد صلاة أهل السماء والأرض، وصام صيام أهل السماوات والأرض، وطوى من الطعام مثل الملائكة، ولبس لباس العابدين، ثم أرى في قلبه من حب الدنيا ذرة، أو سمعتها أو رياستها أو صيتها أو زينتها، لا يجاورني في داري، ولأنزعن من قلبه محبتي (ولأظلمن قلبه حتى ينساني، ولا اُذيقه حلاوة محبتي)(2).

9618/14 ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من لهج قلبه بحب الدنيا التاط قلبه منها بثلاث: هم لا يغبّه، وحرص لا يتركه، وأمل لا يدركه(3).

9619/15 ـ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: أعظم الخطايا حب الدنيا، وقال: حب الدنيا رأس كل خطيئة، وقال: حب الدنيا رأس الفتن وأصل المحن، وقال: إن كنتم تحبون الله فأخرجوا من قلوبكم حب الدنيا، وقال: إنك لن تلقى الله سبحانه بعمل أضر عليك من حب الدنيا، وقال: حب الدنيا يوجب الطمع، وقال: حب الدنيا يفسد العقل ويصم القلب عن سماع الحكمة ويوجب أليم العقاب، وقال: رأس الآفات الوله بالدنيا وقال: سبب فساد العقل حب الدنيا، وقال: شر المحن حب

____________

1- مجموعة ورام 2:178، البحار 6:132، أمالي الطوسي المجلس الأول: 7 ح8، أمالي المفيد المجلس 26:138.

2- إرشاد القلوب: 206، البحار 77:30، مستدرك الوسائل 12:36 ح13446.

3- نهج البلاغة قصار الحكم: 228، مستدرك الوسائل 12:38 ح13451، البحار 73:130.


الصفحة 93
الدنيا، وقال: قرنت المحنة بحب الدنيا، وقال: كيف يدعي حب الله من سكن قلبه حب الدنيا، وقال: كما أن الشمس والليل لا يجتمعان كذلك حب الله وحب الدنيا لا يجتمعان(1).

9620/16 ـ عن علي (رضي الله عنه): من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن أشفق من النار لها عن الشهوات، ومن ترقب الموت هانت عليه اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات(2).

9621/17 ـ عن علي (رضي الله عنه): من زهد في الدنيا علمه الله بلا تعلم، وهداه بلا هداية، وجعله بصيراً وكشف عنه العمى(3).

9622/18 ـ (الجعفريات)، أخبرنا عبدالله، أخبرنا محمد، حدثني موسى، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: من يأمل أن يعيش غداً فانه يأمل أن يعيش أبداً، ومن يأمل أن يعيش أبداً يقسو قلبه ويرغب في الدنيا ويزهد فيما (وعده) ربه تبارك وتعالى(4).

9623/19 ـ الصدوق، حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل، قال: حدثنا علي بن الحسين السعد آبادي، قال: حدثنا أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن محمد ابن سنان، عن زياد بن المنذر، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال عيسى بن مريم (عليه السلام): الدينار داء الدين، والعالم طبيب الدين، فاذا رأيتم الطبيب يجر الرداء إلى نفسه فاتهموه، واعلموا أنه غير ناصح لغيره(5).

____________

1- غرر الحكم: 139 ـ 142، مستدرك الوسائل 12:40 ح13463.

2- الجامع الصغير للسيوطي 2:570 ح8442، حلية الأولياء 5:10.

3- الجامع الصغير للسيوطي 2:606 ح8725، حلية الأولياء 10:72.

4- الجعفريات: 240، مستدرك الوسائل 2:106 ح1552.

5- الخصال باب الثلاثة: 113، البحار 14:319، الفصول المهمة للحر العاملي: 241.


الصفحة 94
9624/20 ـ الشيخ الطوسي: ومن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): أيها الناس أصبحتم أغراضاً تنتصل فيكم المنايا، وأموالكم نهب المصائب، وما طعمتم من الدنيا من طعام فلكم فيه غصص، وما شربتموه من شراب فلكم فيه شَرَق، وأشهد بالله ما تنالون من الدنيا نعمة تفرحون بها إلاّ بفراق اُخرى تكرهونها، أيها الناس إنا خُلقنا وإياكم للبقاء لا للفناء، ولكنكم من دار إلى دار تنقلون، فتزودوا لما أنتم صائرون اليه وخالدون فيه، والسلام(1).

____________

1- أمالي الطوسي المجلس الثامن: 216 ح379، البحار 70:264، الارشاد: 127.


الصفحة 95

الصفحة 96


مبحث
الموت





الصفحة 97

الباب الأول:

في سؤال منكر ونكير

9625/1 ـ محمد بن الحسن الصفار، حدثنا الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، قال: حدثني أبو الفضل المديني، عن أبي مريم الأنصاري، عن منهال بن عمرو، عن رزين بن حبيش، قال: سمعت علياً (عليه السلام) يقول: إن العبد إذا دخل حضرته أتاه ملكان اسمهما منكر ونكير، فأول من يسألانه عن ربه ثم عن نبيه ثم عن وليه، فان أجاب نجا وان عجز عذّباه، فقال له الرجل لمن عرف ربه ونبيه ولم يعرف وليه؟ فقال: مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء {وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا} ذلك لا سبيل له، وقد قيل للنبي (صلى الله عليه وآله): من الولي يانبي الله؟ قال: وليكم في هذا الزمان علي (عليه السلام) ومن بعده وصيه، ولكل زمان عالم يحتجّ الله به لئلا يكون كما قال الضلال قبلهم حين فارقتهم أنبياؤهم {رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى}(1) تمام ضلالتهم بالآيات وهم الأوصياء فأجابهم الله {فَتَرَبَّصُوا

____________

1- طه: 134.


الصفحة 98
فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى}(1) فإنما كان تربصهم أن قالوا: نحن في سعة عن معرفة الأوصياء حتى نعرف إماماً، فعرفهم الله بذلك، والأوصياء أصحاب الصراط وقوف عليه لا يدخل الجنة إلاّ من عرفهم ويعرفوه، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه، لأنهم عرفاء الله عرفهم عليهم عند أخذ المواثيق عليهم ووصفهم في كتابه فقال جلّ وعزّ: {وَعَلَى الاَْعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمـَاهُمْ}(2) هم الشهداء على أوليائهم والنبي الشهيد عليهم، أخذ لهم مواثيق العباد بالطاعة، وأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم المواثيق بالطاعة، فجرت نبوته عليهم وذلك قول الله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلى هؤُلاَءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذ يَوَدُّالَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تَسَوّى بِهِمُ الاَْرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً}(3)(4).

9626/2 ـ محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان; وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصير، والحسن ابن علي جميعاً، عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن جابر، عن عبدالأعلى بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن إبراهيم، عن عبدالأعلى، عن سويد ابن غفلة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث: إن الميت إذا أدخل قبره أتاه ملكا القبر يجران اشعارهما ويخدان الأرض باقدامهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطب، فيقولان: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: الله ربي وديني الاسلام، ونبي محمد (صلى الله عليه وآله)، فيقولان له: ثبتك الله فيما تحب وترضى، إلى أن قال: وان كان لربه عدواً، فانه يأتيه أقبح من خلق الله زياً، إلى أن قال: فاذا أدخل القبر أتاه

____________

1- طه: 135.

2- الأعراف: 46.

3- النساء: 41 ـ 42.

4- بصائر الدرجات باب إن الأئمة يعرفون أهل الجنة والنار: 518، البحار 6:233، تفسير البرهان 3:51، منتخب البصائر: 161.


الصفحة 99
ممتحنا الغبر فألقيا عنه أكفانه، فيقولان له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان، لا دريت ولا هديت، فيضربان يافوخه بمرزبة معها ضربة ما خلق الله عزّوجلّ من دابة إلاّ وتذعر لها ما خلا الثقلين، ثم يفتحان له باباً (إلى النار)(1).

____________

1- الكافي 3:232، إثبات الهداة 1:177، البحار 6:224، تفسير القمي 1:369.


الصفحة 100

الباب الثاني:

في جواب أهل القبور

9627/1 ـ قيل نادى أمير المؤمنين (عليه السلام) أهل القبور من المؤمنين والمؤمنات فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فسمعنا صوتاً يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ياأمير المؤمنين، فقال (عليه السلام): نخبركم بأخبارنا أم تخبرونا بأخباركم؟ قالوا: أخبرنا بأخباركم ياأمير المؤمنين، فقال: أزواجكم قد تزوجوا وأموالكم قسمها وراثكم، وحُشِر في اليتامى أولادكم، والمنازل التي شيدتم وبنيتم سكنها أعداؤكم، فما أخباركم؟ فأجابه مجيب: قد تمزقت الأكفان وانتشرت الشعور وتقطعت الجلود وسالت الأحداق على الخدود، وتنازلت المناخر والأفواه بالقيح والصديد، وما قدماه وجدناه وما أنفقناه ربحناه، وما خلفناه خسرناه، ونحن مرتهنون بالأعمال، ونرجو من الله الغفران بالكرم والامتنان(1).

9628/2 ـ عن كميل بن زياد قال: خرجت مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلما أشرف

____________

1- إرشاد القلوب باب أحاديث منتخبة: 196.


الصفحة 101
على الجبان التفت إلى المقبرة فقال: ياأهل القبور ياأهل البلى ياأهل الوحشة ما الخبر عندكم فإنّ الخبر عندنا، قد قسّمت الأموال وأيتمت الأولاد، واستبدل بالأزواج، فهذا الخبر عندنا فما الخبر عندكم؟ ثم التفت إلي فقال: ياكميل لو أذن لهم في الجواب لقالوا: إنّ خير الزاد التقوى، ثم بكى وقال لي: ياكميل القبر صندوق العمل، وعند الموت يأتيك الخبر(1).

____________

1- كنز العمال 3:697 ح8495.